أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

70

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

كان فاعل لكان مضارعه يؤاجر ومصدره المؤاجرة والإجار ، كضارب يضارب مضاربة أو ضرابا . ولو سلّم أنه يقال كذلك إلا أنّه يجوز أن يكون أجّر أفعل ، وإذا جاز لم يصحّ الفرق . ثم قوله : يقال : أجرت فلانا ، إذا استعان ببك فحميته وقوله : فَأَجِرْهُ ، وقوله : وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ ليس من هذه المادّة التي نحن فيها ولا من معناها في شيء البتّة ، بل من مادّة « جور » . ولذلك ذكرها في مادّة تيك . وإنّما اشتبه عليه اللفظ في الفعل والمصدر ، حيث قال : أجرت إجارة . والفرق بينهما ، عند من يعرف التصريف ، واضح جدا . وذلك أنّ أجرت بمعنى الإعانة وزنه أفلت مثل أقمت ، وإنما حذفت عين الكلمة لالتقاء الساكنين . وإجارة التي هي مصدره وزنها إفالة ، حذفت العين منها كما حذفت من الفعل كإقامة . والأصل : أجورت إجوارا . فصيّره التصريف إلى ما ترى . وأمّا أجرت الذي نحن فيه فهمزته أصيلة ، ووزنه فعلت ، ومصدره فعالة . وأين هذا من ذاك ؟ ولكن قد يذهل الفاضل ، ويدهش العاقل . والأجير فعيل بمعنى فاعل ، وقال الراغب : أو مفاعل ، وهو بناء منه على أنّ آجر فاعل . وقد تقدّم ما فيه . والاسئتجار طلب الشيء بأجرة ، ثم يعبّر به « 1 » عن تناول الأجرة ، كاستعارة الاستيجاب كقوله « 2 » : [ من الطويل ] وداع دعا : هل من يجيب إلى النّدى ؟ * فلم يستجبه عند ذاك مجيب قيل ؛ وعليه قوله تعالى : يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ « 3 » ، وفيه نظر لظهور الطلب فيه بأجرة . ويقال : إيتاجر أي طلب الأجرة ، افتعل منه . وفي الحديث في الأضاحي : « كلوا وادّخروا وائتجروا » « 4 » أي واطلبوا الأجر . قال الهرويّ : ويجوز اتّجروا نحو اتّجر ، كذا أصله إيتجر ، فأدغمت الهمزة في التاء . وفي الحديث : « إنّ رجلا دخل المسجد ، وقد قضى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صلاته فقال : من يتجر فيقوم فيصلي معه » ؟ « 5 » قوله : فأدغمت

--> ( 1 ) وفي الأصل : تعدّيه ، ولعله كما ذكرنا . ( 2 ) البيت لكعب بن سعد الغنوي من بائية طويلة ( الأصمعيات : 96 ) ، مع اختلاف في أداة الاستفهام . ( 3 ) 26 / القصص : 28 . ( 4 ) النهاية : 1 / 25 . ( 5 ) النهاية : 1 / 25 .